الخميس، 25 نوفمبر 2010

أدب إسلامي


محمد فؤاد الشعر من تدابير العقل
أحمل أسماء متعددة .. لا أجسر الهواة بين المهنة والكتابة
صدرت للشاعر محمد فؤاد الأعمال الشعرية الآتية: (طاغوت الكلام) دمشق1990 ‏
ـ المتروك جانباً ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1998ـ (قال بيدبا) بيروت. دمشق2004. ‏
ہ «أجمل ما عندي أخرجته/وتركته ينقط كغسيل مبلول.. من يراني الآن يعرف/ أنني لم أعد سوى نبتة صفراء برائحة باهتة/ في صحوة عابرة ركزت الكأس على حافة المائدة/ وتركت الكرسي يميل بي كما يشاء/ النادل من رمى القسوة لماعة في الصحن/ هكذا كنتُ أربي الألم أبيض في الكأس/ من أجل هذا أجر ورائي/ شاحنة ثقيلة من الأخطاء/» ـ محمد فؤاد ـ قال بيدبا ـ 
 لشاعر والطبيب الجراح محمد فؤاد المولود في تلك المدينة المنسية القامشلي والتي أمضى فيها طفولته البكر.. قبل أن يأتي إلى حلب.. ينتمي إلى جيل شعري.. كان الشعر بالنسبة له قضية وموقف وهاجس ورهان وَوَ.. فيما بعد انصرف عن الشعر.. وعن الكتابة عموماً.. وهجر القراءة. بقي محمد فؤاد مع قلة من مجايليه ينسجون من أوردتهم قصائد مخلصة للشعر وللحياة. ‏ 
محمد فؤاد مدهش ومبهر، وطيّب في زمن فقد طيبته، متواضع لدرجة الخجل ـ تواضع الكبار ـ محمد لديه الكثير شعرياً لو شاء له أن ينصف لتمكن من أن يكون (من الاسماء الهامة شعرياً في سورية وإن كان من وجهة نظري أنه كذلك ـ هنا نص الحوار. ‏ 
ہ ولدتُ في السينما.. بين مقعدين، على مسند مكسور/ أمي كنتّني بسبعة أسماء/ كي لا يعرفني الموت/. ‏ 
تقول هذا في مجموعتك الشعرية (قال بيدبا). ‏ 
أين محمد فؤاد (في زحمة سبعة أسماء)؟ ‏ 
ـ أنا فعلياً أحمل أسماء متعددة، هذا على المستوى الأول الواقعي، أكتب الشعر باسم، وأمارس الطب باسم، وأسافر وَ.. وَ..الخ. أمي أرضعتني من سبع نساء (قامشليات من كل الملل) ـ كنتُ منذوراً لذلك ـ مات لي أخوة قبلي ـ منذ ذلك اليوم المبكر وأنا شخصيات متناقضة ومتصالحة، كئيبة وسعيدة، أواجه العالم بشخصيات متعددة، وغالباً ما نتعامل مع عالمنا الخارجي بشخصية أو شخصيتين، إلا أن في داخلنا هناك شخص وحيد معزول.. وحزين. ‏ 
غالباً ما يكون مستنداً إلى الحائط... خائف من مواجهة العالم... أكتب دائماً انطلاقاً من هذا الكائن الوحيد المعزول والمقهور. ‏ 
ہ تقول أيضاً:ـ «هكذا كنتُ أربي الألم... أبيض في الكأس». ‏ 
كيف تنظر إلى الألم؟ هل كان وراءه كل هذا الحضور الشعر البهي؟ ‏ 
ـ أشعر بالتباس اتجاه الاجابة (على سؤال الألم). ‏ 
كنت أعتقد أن وظيفة الفن إن يمتص الألم. سأكون صريحاً: أنا رجل متألم وأستطيع أن أعدد مئات الأسباب لهذا الألم. لكن في الحقيقة قد لا يكون هناك مبرر لأي واحد منها ربما كأنني أجد في الألم تطهيراً لذنوب اقترفتها...، أو اقترفتني...، ويقترفها بشر آخرون. ‏ 
ولا أجد ما أدافع به عن نفسي سوى الألم. ‏ 
منذ زمن بعيد أو طويل، كنت أعتقد أن المستقبل يجب أن يحمل الأمل دائماً. ‏ 
أنا الآن وبعد أن تجاوزت الأربعين، أخشى القول أنني لم أجده بعد، ـ هذا الأمل ـ فلم يكن أمامي سوى التحايل عليه باللغة... أو أن يتحايلوا عليَّ فيأتيني على شكل ألم. ‏ 
ہ أنت شاعر وطبيب جراح. هل القصيدة بالنسبة لك (شرفة بوح) بعيداً عن أنين مرضاك. أم ماذا؟ ‏ 
ـ لو كان لي أن أختار مهنة (يتكسب) منها الشاعر لاخترت له أن يكون طبيباً. ‏ 
أنا في الكتابة أحاول أن أرى العالم الداخلي للكائن. ‏ 
وأنا في الجراحة أرى حقيقة لا مجازاً. أعايش الألم لا بوصفه تأملاً ذهنياً أو وجودياً وإنما بوصفه غصة في الحلق أو أنيناً في آخر الليل. أو ترقب فزع أمام غرفة العمليات. ‏ 
الكتابة لدي تحاول بشكل أو بآخر أن تترصد هذا التوجس الذي يحوم كطائر على رؤوس البشر. ‏ 
أخاف حين أكتب أن لا أستطيع التقاط ما أحس به حين أكون طبيباً. الطب مهنة مؤلمة لكنها تليق بالشعر. ‏ 
ہ لكن ثمة من يرى عكس ما تراه؟ ‏ 
ـ ربما يحدث أحياناً أن تبتذل المهن كما تُبتذل المشاعر الصدق وحده يمكن أن يعيد الأمور إلى نصابها . ‏ 
ـ اكتب القصيدة رغم معرفتي ان الشعر مادة هشة لا تمتلك حولاً لها ولا قوة. ‏ 
لكن الكتابة، ولا سيما الشعر، هي تدابير للألم وترتيبه ووضعه كوسادة تحت الرأس. ‏ 
حينما لا نستطيع رميه كحجر في وجه من يؤلمنا. ‏ 
ربما لا يصلح الشعراء لملئ الزجاجات الفارغة، ولا لمنح سعادة ما، لشخص ما، لكنما الكتابة لصاحبها هي اغماضة العيون وتخيل الذات في عوالم من بخار الورد وعليه قليلاً من السكر. ‏ 
\ہ محمد فؤاد طبيب جراح وشاعر. هل حدث ان عالجت بعضاً من مرضاك بقصيدة شعر؟ ‏ 
(ضاحكاً) أحمد أعرف الى حدما..، إلى أين تريد ان تصل بسؤالك. ‏ 
هذا. ياصاحبي لايصلح الشعراء ما يفسده الدهر. ‏ 
الطبيب ربما يكون محظوظاً بأجرٍ من دعاء متألم، لكنما الشعراء صفر الوجوه، لا يصدقهم أحد ولا يدفعهم إلا أمثالهم من الغاوين، لكي تعالج بقصيدة خذعني هذه الوصفة، انقعها بماء ساخن ورش عليها قليلاً من الملح ثم أرميها.. حتى النساء اللواتي كن يدسسن القصائد في الكتب.. صرن الآن أكثر استعجالاً..، وأقل حماسة... أقل...، أقل. ‏ 
ہ عناوين مدهشة...، لافتة جداً، تستدرج القارئ الى «كمينك» الشعري. ‏ 
أين أنت وسط هذه العناوين؟ ‏ 
سألة العناوين في القصائد كانت تربكني دائماً، فحيناً أعتقد أن العنوان هو مفتاح القصيدة، حيناً آخر اختار عنواناً أتقصد أن يكون بعيداً عن مناخات القصيدة. في الثالثة أضجر من فكرة العنوان فأضعها كيفما اتفق. لكنني الآن في هذه المرحلة على الأقل أعتقد أنني أصبحت أتأمل أكثر في مادة العنوان لا لجذب القارئ وإنما ليصبح العنوان في وحدة تامة مع القصيدة التي ربما لها ان تكون بلا عنوان. ‏ 
انهيت منذ فترة وجيزة مسودة مجموعة شعرية جديدة كانت القصائد تبدأ فيها من العنوان. أي أنني كنت أكتب العنوان ثم أكمل القصيدة، ربما لأنني بهذه المجموعة كانت الفكرة بأكملها تبدأ من عنوانها وهي: ‏ 
«أجزاء الحيوان» سترى أنني بعد هذا العنوان سأكتب عن الكائن بوصفه أعضاء منفصلة ولذلك جاءت العناوين على شاكلة «الطحال...، البنكرياس، اللسان، الأم الجافية، الشغاف، الكبد.. وهكذا». ‏ 
ہ كيف تنظر الى هؤلاء الذين يحاولون إقصاء قصيدة النثر من قبيلة الشعر؟ ‏ 
سأعتذر أن أقول أن هذا السؤال أصبح من الماضي للأسباب التالية أولاً لقد خف فعلاً السجال حول شرعية قصيدة النثر. إما لأنها أصبحت واقعاً بحكم الزمن أو لانفضاض الناس عن الشعر بكامله «نثره وعموده»، الأمر الآخر الذي يجعل السؤال في الماضي هو أمر احصائي فقصيدة النثر حالياً هي الأكثر وجوداً على مستوى الشعر حتى في الدول التي كانت ثقافتها معقلاً لقصائد العامود فأنت لو تأملت أي صحيفة أو مجلة تعنى بالشعر وبالكتابة الإبداعية لوجدت قصيدة النثر هي الأكثر حضوراً. فيما فعلياً تراجعت قصيدة العمود، التي لم نعد نجدها، إلا في الكتب المدرسية. الأمر الثالث هو أمر يتعلق بسؤال الشعر بحد ذاته. ‏ 
فالسجال الذي كان منذ عقدين أو ثلاثة حول شرعية قصيدة النثر كان في الحقيقة سؤالاً موارباً حول شرعية الأنماط الجديدة ليس في الكتابة وحدها وإنما في التفكير أيضاًَ. ‏ 
ہ محمد فؤاد الذي كتب القصيدة الشفوية واليومية في: «طاغوت الكلام»، هو نفسه في: «وقال بيدبا» ولكن بحساسية جديدة. هذا يقودني لأن أسأل ما هو شكل قصيدة اليوم؟ ‏ 
سأعترف لقد «غرر بنا» في وقت ما، توهمنا ان مجرد الكتابة عن اليومي والعادي هو بالضرورة شعر، طبعاً كان ذلك رداً على القصيدة المتعالية التي كانت تغرف أو نغرف من الأسطورة واللغة والصور الجوفاء وبذلك اعتقدنا ان مجرد الكتابة عكس ذلك كان يعني كتابة الشعر. أنا أعتقد ان مادة الشعر هي في الغوص بعيداً في معرفة الأشياء سواء أكانت يومية أم دهرية. الشعر كما يقول: «يوري لوتمان»: «هو معرفة ولكن من نوع آخر» في مجموعتي: «قال بيدبا» في القصائد التي تحمل هذه العناوين: «سحلية، سمكة، دجاجة، إلخ» كنت أفكر بهذا البعد الأكثر عمقاً في النفس كنت أفكر فعلاً في وجود الكائن ومواجهته المستمرة للعالم. ‏ 
صحيح ان الذريعة كانت كائنات يومية لكن الغاية كانت ماوراء ذلك في تلك المساحة من الظل التي تصبح فيها الكائنات مادة هلامية وتصبح الأفكار بأشكال آدمية. ‏ 
الشعر كما يقول «مالا رميه»: هو الفلسفة، أي ذلك البحث المحموم عن المعرفة، هو صنو الموسيقا البحت. كلاهما بأدوات مواربة يصنعون هذا البعد الرابع للبشر. ولذلك لا تبحث عن المعنى فقط حين تقرأ القصيدة...، أغمض عينيك وانظر ماذا تبقى ستسمع في القصيدة العظيمة صوت موسيقا يأتي من مكان بعيد حميم ودافىء. ‏ 
ہ بدأت تركز على أنسنة الأشياء واستنطاقها رغم ان براءة هذا ـ إذا اعتبرناه اختراعاً ـ لا يحسب لك، هل هو دليل على خواء وفراغ في اللغة اليومية؟ ‏ 
في الحقيقة أنا لا أحب أن أؤنسن الأشياء. وان لاحظت ذلك فهذا فشل مني. أنا أحب كما يقول «غليفليك»: أن أكتب الاشياء كما هي، لا بوصفها إسقاطات علينا نحن البشر إن الأشياء تستحق ان تعيش بذاتها بعلاماتها فيما بينها. لا أن تكون مجرد صدى لنا نحن البشر. ‏ 
تى في سؤالك عن اليومي واللغة اليومية ومفرداتها. أنا أظن ان هذه اللغة اليومية هذه الكائنات اليومية، من صنع ذاتها، ربما مازلت أشعر بالتفوق ككائن بشري يرغب أن يسخر الأشياء لصالحه، لكنني أعتذر عن هذا الفعل..، عن تسلطنا نحن البشر تجاه ما حولنا. ‏ 
طبيب جراح ، أنت، استطعت أن توظف مهنتك في إبداعك بمعنى أنك جسرت الهوة بين السلوكي والإبداعي. كيف تم ذلك؟ وهل أخذت بوصفات أحد؟ ‏ 
ـ لم أكن أول طبيب جراح يكتب، ولست آخرهم. أنا كجراح لا أتخيل العالم الداخلي للإنسان، وإنما أراه رؤيا العين...، أشمه وألمسه..، وأضع يدي عليه..، وأعبث به. لكنني لا أملك أمامه سوى الخشية من أن أؤذيه. ‏ 
أنا لا أجسر الهوة بين المهنة والكتابة، لا هوة في الأصل. أنا فقط استعير مفردات هذا الكائن وأنقلها على الورق. لم تكن المهنة يوماً ما لي ميزة أو عائقاً. لم أفكر في ذلك اطلاقاً، لكني اعتقد ان الأصل هو في ا لقدرة على التعبير. هذه القدرة التي تخوننا دائماً ونتملق إليها باستمرار. اسمح لي ان استغرب من سؤالك هذا الذي يربط بين الفن والمهنة. هل كان السؤال ليكون أقل استغراباً لو أنني دليل سياحي أو موظف في مؤسسة حصر التبغ والتنباك؟ ‏ 
ہ الآن تكسر مدارس الشعر، وغالباً لا أحد يتقبل أحد، فالكلاسيكي لايقبل الحداثي، واليومي يرفض قصيدة الرؤيا.. وبالعكس. ‏ 
وهذا قد يؤدي الى ضياع البصمة الشخصية، للمحاباة أو لاستمرار الرضى. ماذا تفعل لكي تكون شاعراً متميزاً ومقبولاً؟ ‏ 
ـ لكي أكون شاعراً مقبولاً. يضمر هذا التعبير جملة تقول مقبولاً عند الناس أو عند الأقران أو عند النقاد. وهذا بدوره يضمر تصوراً حول وظيفة الشعر، فلو طلب مني أن أكون شاعراً لترويج عقيدة ما. أو حزباً ما.. ربما كان علي أن آخذ بالأسباب التي تجعل شعري يجذب الآخر لهذه العقيدة لكني في الحقيقة أنا لا أؤمن بوظيفة للشعر. وان شعراء كباراً لهم جمهورهم الذي تكون عبر سنوات طويلة يتملقون للجمهور بقصيدة راجت سابقاً لهم كل هذا ليمرروا قصيدة أخرى كتبوها. الآن بحساسية الآن وشعور الآن. لكنهم يعرفون ان الجمهور لن يتقبلها. ‏ 
إذاً لِمَ علي أن أبحث عن أكون مقبولاً ومتميزاً. وأنا في أحسن الأحوال لن أقدم أو أؤخر.. أنا «يا أحمد» صدقني أكتب ولا أعرف ان كنت سأقرأما أكتبه يوما ما. أحب أن يكون لي جمهور وأحب أن تقرأ أشعاري. لكن لا يعني اني إذا رغبت بأمر ما سأحصل عليه. ‏ 
ہ إذاً، أين جمهور الشعر؟ ‏ 
لا تصدق أن للشعر جمهوراً بالمعنى العريض لهذه الكلمة. للشعر مستمعون قلة. وأنا أظن أن هذا يكفيه. ‏ 
ہ الشعر هو الجنون في القلب والعشق كمعراج الطير الى الله وجنون وجنون القلب، على ما نرى، أعجب من جنون العقل» ـ «...»؟ ‏ 
هل للشعر جنون؟ ‏ 
ـ أنا أكتب من مكان مختلف في الحقيقة، أقارب الشعر من موضع العقل، أعرف أن هذا ليس مرغوباً، فالشعر قد يعني العاطفة أو المتعة أو القلب كما يقول «شمس الدين» لكنني أظن أن الشعر هو بشكل أو بآخر من تدابير العقل. لاتصدق ما يقال عن إلهام أو رؤيا أو حتى كتابة آلية. كل هذا فعلاً في النهاية يصدر عن العقل إذاً لِمَ علي أن أراوغ؟؟ ‏ 
أنا أبدأ الكتابة من العقل وفي أقصى حالات الصحو. لا أحب الكتابة بأي شكل من الأشكال التي تستهين بإمكانات العقل، لا يعني انني لا أحب.. أو لا تدمع عيني لصورة شعرية مدهشة. ‏ 
لكني أعرف أن عيني دمعت وأنني ارتجفت من النشوة، لأن ما كتبت كان نابعاً من تأمل عميق..، الذي هو الصورة الغامضة للعقل. أنا أحب أن آتي الشعر من المعرفة لا من العاطفة. ‏
 تشرين -حاوره: أحمد عساف

أدب إسلامي كلمة موجزة عن صاحب قصيدة جراحات


زيارة للشاعر محمد فؤاد
أثناء زيارتنا للطبيب الشاعر محمد فؤاد في عيادته التي تتزاحم فيها معدات الجراحة مع كتب الأدب والفلسفة لتحاول صناعة ممر يؤدي إلى غرفة العمليات هناك بالمشاعر والدم قصيدة وهناك مكان اخر لليود الجليل وأربطة الشاش وانقسامات الروح هناك سعال يتدحرج كالأحجار وممررات تحتمل الموت وتفاصيل السل. 
لايمكن لمحمد فؤاد ان يكتب القصيدة على جسد ملقى للجراحة في غرفة العمليات لأنه يملك أداة الفصل بين الخيال والواقع والمشاعر 
الجسد حيزا كبير للتعبير.. 
فالجمجمة تصلح بيتا للغراب وان وقعت على الأرض يهرب عنها البق.. 
والجمجمة تضحك لكن تأن لو رأبت منها الأسنان وعظم اللثة... محمد فؤاد:هناك مايذكرنا بالحياة والطبيب الجراح في حالة توتر دائم لأنه بشكل مستمر أمام اجساد يؤرقها المرض. 
أحاول دائما أن احكي عن الأعضاء البشرية التي تتسلل داخل شعري لتتكلم عن نفسها. 
إن لم يكن للشاعر مهنة فأنا أختار له مهنة الطب, الشاعر يحاول معرفة العالم الداخلي والطبيب لايتخيل العالم الداخلي فقط بل يراه بكل حالاته الشعرية منها والتشريحية. 
وبلحظة ما الجراح الشاعر يستطيع أن يفصل الشعر والخيال بسبب امتلاكه مادة واقعية. 
برأي من أسوء المهن في العالم هي مهنة الطب لأن الإنسان الذي يمارسها يعيش الحالات ككل بالمرض والضعف. 
يجب الفصل بين الواقع والخيال ولكن اعتبرالفصل وهمي لأن الإنسان في حالة معينة يصل إلى نقطة لايستطيع فيها تحقيق الفصل. 
قصائدي تزامنت كتابتهم مع بداية دخولي إلى العالم الطبي فكنت أصور هذا العالم بشكل تفصيلي لأني في حالة دهشة دائمة من هذا العالم المليء بالاستفسارات والتساؤلات. 
الآن أحاول أن انشر ديوانا شعريا يحكي عن عواطف الطب والألم, أحاول أن أحكي شعرا عن هذا الموضوع الذي لم يتطرق اليه احد قبلي من الشعراء فموضوع الطب والألم وتشريح الأعضاء هو حلقة مفقودة من حلقات الشعر في العالم بشكل عام. 
محمد فؤاد: قصائدي الجديدة هربت إلى الرمزية ولكن بشكل نسبي وهذا نتاج للتجربة والقراءة المستمرة التي اعتبرها من أوسع أبواب المعرفة.


اعداد تحرير ثائر مسلاتي وتصوير نوح حمامي علما انه أثناء نشر المقالة في ُأطر اعلامية أخرى يرجى ذكر اسم المحرر والمصور والمورد
المورد : موقع علم نوح

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

الجزائر خلال الحرب العالمية الأولى


1- مقدمة 


اندلعت الحرب العالمية الأول والجزائر في وضعية متدهورة جدا. وقد تحول الجزائريون إلى دروع بشرية تصد بهم فرنسا نيران الألـمان، خصوصا وأنها كانت تشكو من نقص ديموغرافي منذ بداية القرن العشرين. فأسرعت إلى تجنيد أكثر من ثلث المليون شاب جزائري وأرسلتهم للدفاع عن أراضيها والقيام بالأعمال والأشغال التي تتطلبها مصانعها ومزارعها.لم يقتصر المجهود الحربي الجزائري على الجانب البشري فقط بل عانت الجزائر أيضا في المجال الاقتصادي ، فأنهك بذلك المجتمع وأدى إلى تقهقره أكثر 



2-
المجهود الإقتصادي للجزائريين خلال الحرب العالمية الأولى


ففي المجال الزراعي ، ساهمت الجزائر بشكل كبير في عملية تموين فرنسا وأثناء الحرب العالـمية الأولى على الرغم من تدهور الإنتاج الزراعي الجزائري من جراء عدة عوامل ، طبيعية وسياسية وبشرية. ومثلت الحبوب الصنف الأول من الصادرات الزراعية، فأرسلت الجزائر نحو فرنسا بين 1914 و 1916 حوالي 8.314.000 قنطار من القمح ، بينما بلغت صادرات الشعير في نفس الفترة حوالي 12.770.617 قنطارا.
وقد شملت الصادرات عدة محاصيل زراعية كالطماطم والبطاطس والبيض التي وجهت لتموين الـمستشفيات التي تستقبل جرحى الحرب في فرنسا. بالإضافة إلى ذلك أرسلت إلى فرنسا 120.000 قنطار من التبغ سنة 1917 ، بعد ما كانت صادرات التبغ لا تتجاوز 80000 قنطار قبل 1914.وقد احتاجت فرنسا إلى الحلفاء ، فصدرت نحوها حمولة تزيد عن نصف مليون قنطار بين 1914 و1918 ؛ أما الزيوت فبلغت صادراتها هي الأخرى 27.730 طن في 1917. وحتى التمور الجزائرية أدرجت في قائمة الـمواد الضرورية لتموين فرنسا ، فوصلت صادراتها 294.736 قنطارا عام 1917.احتلت الثروة الحيوانية الصف الثاني في الصادرات الأساسية خلال الحرب بحيث تشير الإحصائيات الرسمية أن حجم الصادرات من الأغنام قد بلغ 2839206 رأسا في الفترة 1915 و1918. وكان لذلك أثرا سلبيا على أسعار اللحوم في الجزائر التي ارتفعت بشكل حاد ولم تعد في متناول الجزائريين مهما كانت وضعيتهم الاجتماعية.أما الـمواد الـمنجمية فشهدت بدورها زيادة كبيرة في الإنتاج الموجه للتصدير لتلبية ضرورات المصانع الحربية الفرنسية. فارتفع إنتاج الرصاص بـ 100 % بين 1915 و 1916 ليتواصل على نفس الوتيرة عام 1917. أما الزنك والفوسفات فقد تضاعف إنتاجهما بين 1915 و 1916 ، وزادت الكميات الـمنتجة من الفحم بنسبة 300 % بين 1917 و 1918 


3-
المجهود المالي للجزائريين خلال الحرب العالمية الأولى 


لم يقتصر المجهود الحربي للجزائريين خلال الحرب العالـمية الأولى 1914 ـ 1918 على الجانب البشري والاقتصادي فحسب بل تعداه إلى المجهود الـمالي. ولقد اعترف الساسة الفرنسيون أنفسهم من خلال التقارير التي كانوا يزودون بها حكومتهم خلال الحرب ، أن الجزائريين يعانون من فقر كبير ومحرومون من أبسط الضروريات. مع ذلك فقد فرضت عليهم ضرائب عديدة أثقلت كاهلها حتى وصل الأمر عند الكثير منهم إلى بيع ما تبقى لهم من أملاك وأثاث لدفع ضرائب الحرب الـمسلطة عليهم.ولم يراع الفرنسيون أحوال الأهالي وفقرهم ، فكانت حصيلة الضرائب الـمباشرة وغير الـمباشرة التي جمعتها الإدارة الفرنسية تفوق الـ50 مليون فرنك فرنسي في كل سنة في الفترة 1913 ـ 1919.وخلاصة القول إن التضحيات التي فرضت على الجزائريين في إطار المجهود الحربي فاقــت كل التصورات باعتراف الـمؤرخين الفرنسيين. وكان من نتائج ذلك على المجتمع الجزائري أن تدهورت الأحوال الـمـعيشية والصحية للجزائريين ، وتعرضوا للمجاعات من جراء الجفاف ، وارتفاع الأسعار ، وندرة الـمواد الزراعية ، وفقدانهم لجزء كبير من القوة البشرية الشابة التي جندتها فرنسا في سبيل حماية ترابها وشعبها من الاجتياح الألـماني.وكان لهذه الـمرحلة الأليمة من تاريخ الشعب الجزائري أثرها العميق في تنمية الوعي الوطني وفي تحديد مسار النضال السياسي في الـمرحلة ما بعد الحرب
مقتبس

قانون الأهالي


بمقتضى هذا القانون اكتسبت السلطة الإدارية ـ وهي سلطة تنفيذية ـ اختصاصات وصلاحيات السلطة القضائية ، وسقطت بذلك الضمانات المألوفة لحرية الأفراد بحجة المحافظة على الأمن وإقرار النظام . وهذه الاختصاصات يمكن إجمالها في 
-
سلطة الحاكم العام في توقيع العقوبات دون محاكمة من أجل المحافظة على الأمن العام 
-
الأخذ بمبدأ المسؤولية الجماعية ، فالفرد وحده لا يعنيهم إذا أرتكب جريمة أو حريق ، بل كل سكان المكان مسؤولون.
-
سلطة المتصرفين الإداريين ورؤساء البلديات ، بحبس الأشخاص ومصادرة أملاكهم دون حكم قضائي .
وهكذا أكتسب المتصرفون الإداريون وعمال العمالات وكذا لجان التأديب بموجب قانون الأهالي صفة الشرعية المطلقة في التطبيق والتنفيذ . وقانون الأهالي عبارة عن نصوص وضعت بقصد فرض النظام و الانضباط في صف المسلمين بحيث يتعين عليهم إظهار الطاعة العمياء للأوربيين . حدد القانون عند صدوره 41 مخالفة يعاقب عليها الجزائريون ، وخفظت الى 21 مخالفة عام 1891 واستقرت عند 27 مخالفة في قانون 21 ديسمبر 1898. ورغم أن الإدارة الفرنسية حددت مدة سريان مفعول هذا القانون بسبع سنوات ، ولكنها ستمدده لنفس المدة عند نهاية كل أجل وذلك حتى سنة 1930
مقتبس

ثورة الأوراس 1916 م


- مقدمة



لم تكن انتفاضة الأوراس سنة 1916 إلاّ امتدادا لمقاومات أخرى شهدتها الـمنطقة منذ أن وطأت أقدام الـمستعمر تراب الجزائر. وقد كان لهذه الانتفاضة أهمية بالغة نظرا للأوضاع العامة التي وقعت فيها ، والظروف التي جرت فيها والتي بثت الهلع في نفوس الفرنسيين، وأجبرتهم على اتخاذ كل الإجراءات للقضاء عليها.



2-
أسباب مقاومة الأوراس 


تعود أسباب الانتفاضة إلى عدة عوامل منها تدهور الأوضاع الاجتماعية السياسية والاقتصادية والتي أثرت تأثيرا مباشرا على الجزائريين, الذين كانوا يعيشون أوضاعا سيّئة جدا بفعل المجاعات والأوبئة والقوانين الجائرة منها قانون الأهالي إلى جانب انتشار الفقر وغلاء المعيشة.كل هذه العوامل كانت كافية لاندلاع الانتفاضة وقد أكد بعض الـمؤرخين دور الطرق الصوفية في دفع الجزائريين إلى الثورة والتمرد.
وفوق هذا كله ، فإن الاستياء الكبير الذي انتشر لدى الجزائريين بسبب صدور قانون التجنيد الإجباري في عام 1912 ، يعد الشرارة التي فجرت الأوضاع. 
وعلى الرغم من أن هذا القانون قد لقي إقبالا من طرف بعض المثقفين من حركة الشبان الجزائريين ذات الاتجاه الليبرالي ، باعتباره وسيلة للاندماج حسب رأيهم ، إلاّ أنه وجد معارضة شديدة من طرف الجماهير وتزايد رفض الجزائريين للتجنيد الإجباري بعد وصول أخبار مهولة عن سقوط الآلاف من الشبان المجندين في الـمعارك الضارية التي دارت بأوربا ، إذ سجلت وزارة الحرب الفرنسية 7.822 قتيلا و30.354 جريحا و 2611 أسيرا إلى غاية أكتوبر 1916. كانت فرنسا في 1916 في أمس الحاجة إلى قوات إضافية ، لذلك عزمت على تجنيد الشباب البالغ من العمر17 سنة وإرسالهم إلى جبهات القتال في أقرب الآجال. 
ومن جهة أخرى ، فقد كان لـمصادرة أراضي السكان في مطلع القرن العشرين بعين التوتة ومروانة وسريانة بمنطقة الأوراس لإنشاء مراكز توطين للمهاجرين الأوروبيين وتأسيس البلديات المختلطة منها بلدية بلزمة عام 1904 ، أثرا بالغا في اندلاع الاضطرابات بالمنطقة مما جعل محكمة الجنايات بباتنة تصدر أحكاما متفاوتة على الـمتهمين بالسجن. وانتقاما من ذلك ، رفض الجزائريون الانصياع لقوانين الـمستعمر وأعلن الرافضون ل قانون التجنيد الإجباري في ديسمبر 1914 بأنهم يتمتعون بدعم الأتراك والألـمان في سبيل تحرير الجزائر.
اختلفت مقاومة الأوراس لعام 1916 على غرار مقاومة بني شقران 1914 ، عن مقاومات القرن 19 في عدة نقاط من أهمها :
-
أنه لا صلة للانتفاضة بالطرقية والزوايا.
-
أنها لم تندلع بسبب انتفاضة الأسر والعائلات الكبرى للاستعمار الفرنسي.
-
أنها لم تقم بسبب تناقص القوات العسكرية الفرنسية في البلاد كما كان الحال مابين 1870 و 1871.
لقد كانت هذه الانتفاضة رد فعل جماعي قوي ضد السياسة العسكرية الاستعمارية المتمثلة في قوانين 1907 و 1912 حول التجنيد الإجباري للشباب وكذا أعمال السخرة في المزا رع والمصانع بفرنسا .



3-
مراحل مقاومة الأوراس


بدأت انتفاضة الأوراس فعليا في 11 نوفمبر 1916 عندما تجمع سكان عين التوتة وبريكة في قرية بومعزاز ، واتفقوا على الإعلان عن الجهاد. وسرعان ما ذاع هذا الخبر بين القرى والتحق الـمئات من الرجال بالنداء الـمقدس ، مما دفع بالفرنسيين إلى قطع الاتصالات بين الـمنطقة والعالم الخارجي عن طريق منع التنقلات والسفر من وإلى الأوراس. وكان رد فعل الـمنتفضين أن خربوا خطوط الهاتف والتلغراف والجسور. كما أنهم هاجموا الأوروبيين ومنازلهم وممتلكاتهم ، واستهدفوا أعوان الإدارة الاستعمارية في كل القرى والـمداشر .تكثفت عمليات الثوار ضد الـمصالح الفرنسية ، فمست برج "ماك ماهون" الإداري وأدت إلى مصرع نائب عمالة باتنة وتخريب البرج بعد أن فرت حاميته العسكرية الفرنسية.في الوقت الذي استهانت فيه الإدارة الاستعمارية بهذه الأحداث ، قام الثوار بمحاصرة مدينة بريكة في 13 نوفمبر 1916 ، ليهاجموا قافلة فرنسية في اليوم الـموالي.
أمام تفاقم الوضع وامتداد نطاق الانتفاضة ، طالب الحاكم العام في الجزائر بإمدادات عسكرية إضافية مؤكدا على ضرورة استعمال الطائرات لإرهاب السكان ، خاصة وأنه قد قتل 10 جنود فرنسيين في اشتباكات 5 ديسمبر 1916 بينما كانت القوات الفرنسية تهاجم المتمردين اللاجئين بجبال مسمتاوة.وبالفعل، فقد سحبت فرنسا الفرقة 250 من جبهات القتال بأوروبا ووجهتها إلى الجزائر ليصل عدد الجنود الفرنسيين بالأوراس إلى 6.000 رجل تحت قيادة الجنرال "مونيي" ، كما استقدمت القيادات العسكرية الطائرات الحربية من نوع التي كانت بتونس ووجهتها إلى منطقة الأوراس الثائرة. ومع بداية جانفي 1917 ، وصل عدد القوات الفرنسية الـمرابطة بالأوراس إلى أزيد من 14.000 جندي ، مدعمة بأحدث الأسلحة بقصد القضاء النهائي على الانتفاضة وقمع رجالها.
لقد ارتكبت الجيوش الاستعمارية من نوفمبر 1916 حتى نهاية ماي 1917 أبشع الجرائم ضد السكان العزل انتقاما منهم على استمرار الـمقاومة. ولعل أكبر دليل على ما اقترفته الأيادي الفرنسية خلال هذه الفترة هو تقرير اللجنة البرلـمانية الفرنسية التي تطرقت للسياسة التي مارسها الفرنسيون والتي اعتمدت القتل بكل أنواع الأسلحة ، والأرض المحروقة ومصادرة أملاك السكان لم تقتصر على ذلك بل اعتقلت فرنسا 2904 ثائرا ووجهت لهم تـُهم التمرد وإثارة الاضطرابات وقدم إلى المحاكم 825 جزائريا ، سلطت على 805 منهم ما يقارب 715 سنة سجنا بينما وجه 165 إلى المحاكم العربية في قسنطينة ، و45 إلى محكمة بانتة التي أصدرت بحقهم 70 سنة سجنا. وقد فرضت على المحكوم عليم غرامات مالية تقدر بـ 706656 فرنك فرنسي ، وصادرت الإدارة الاستعمارية حوالي 3.759 بندقية صيد قديمة و7.929 رأس غنم و4.511 رأس معز و266 رأس بقر. كما سارعت الحكومة الفرنسية أمام خطورة الوضع إلى وضع الـمنطقة كلها تحت الإدارة العسكرية بمقتضى قرار 22/11/1916.
وعلى الرغم من كون آمال الجزائريين لم تتحقق في التخلص من الاستعمار وتسلطه في مقاومة الأوراس لعام 1916 ، إلا أن آثار هذه الانتفاضة ومآسيها بقيت ماثلة في أذهان سكان الـمنطقة وفي كتابات المؤرخين و قصائد الشعراء
حتى اندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة

(الموضوع مقتبس)

الخميس، 11 نوفمبر 2010

تفسير الظلال سورة المرسلات 6\3788...3795 دار الشروق 1430هـ 2009م ط38



هذه السورة حادة الملامح ، عنيفة المشاهد ، شديدة الإيقاع ، كأنها سياط لاذعة من نار . وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة ، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات ، تنفذ إليه كالسهام المسنونة!
وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة ، وحقائق الكون والنفس ، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض . وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار : { ويل يومئذ للمكذبين } !
ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة . وهو لازمة الإيقاع فيها . وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة ، ومشاهدها العنيفة ، وإيقاعها الشديد .
وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة « الرحمن » عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد : { فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ } كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة « القمر » عقب كل حلقة من حلقات العذاب : { فكيف كان عذابي ونذر؟ } وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة ، وطعماً مميزاً . . حاداً . .
وتتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة ، متعددة القوافي . كل مقطع بقافية . ويعود السياق أحياناً إلى بعض القوافي مرة بعد مرة . ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص ، وعنفها الخاص . واحدة إثر واحدة . وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر ، بنفس العنف وبنفس الشدة .
ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة : { والمرسلات عرفاً . فالعاصفات عصفاً . والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً . فالملقيات ذكراً ، عذراً أو نذراً } . . وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام .
وللقرآن في هذا الباب طريقة خاصة في اختيار إطار للمشاهد في بعض السور من لون هذه المشاهد وقوتها . . وهذا نموذج منها ، كما اختار إطاراً من الضحى والليل إذا سجى لمشاهد الرعاية والحنان والإيواء في « سورة الضحى » وإطاراً من العاديات الضابحة الصاخبة المثيرة للغبار لمشاهد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور في سورة « والعاديات » . . وغيرها كثير .
وكل مقطع من مقاطع السورة العشرة بعد هذا المطلع ، يمثل جولة أو رحلة في عالم ، تتحول السورة معه إلى مساحات عريضة من التأملات والمشاعر والخواطر والتأثرات والاستجابات . . أعرض بكثير جداً من مساحة العبارات والكلمات ، وكأنما هذه سهام تشير إلى عوالم شتى!
والجولة الأولى تقع في مشاهد يوم الفصل . وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض ، وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر : { فإذا النجوم طمست . وإذا السمآء فرجت . وإذا الجبال نسفت . وإذا الرسل أقّتت . لأي يوم أجلت؟ ليوم الفصل . ومآ أدراك ما يوم الفصل؟ ويل يومئذ للمكذبين! } .
والجولة الثانية مع مصارع الغابرين ، وما تشير إليه من سنن الله في المكذبين : { ألم نهلك الأولين؟ ثم نتبعهم الآخرين؟ كذلك نفعل بالمجرمين . ويل يومئذ للمكذبين! } . والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير : { ألم نخلقكم من مآء مهين؟ فجعلناه في قرار مكين؟ إلى قدر معلوم؟ فقدرنا فنعم القادرون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتاً ، وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء المحيي : { ألم نجعل الأرض كفاتاً؟ أحيآء وأمواتاً ، وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء فراتاً؟ ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم الفصل من عذاب وتأنيب : { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب! لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين ، ومزيد من التأنيب والترذيل : { هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون . ويل يومئذ للمكذبين! هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والجولة الثامنة مع المتقين ، وما أعد لهم من نعيم : { إن المتقين في ظلال وعيون ، وفواكه مما يشتهون . كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب : { كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب : { وإذا قيل لهم : اركعوا لا يركعون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات : { فبأي حديث بعده يؤمنون؟ } . .
وهكذا يمضي القلب مع سياق السورة السريع ، وكأنه يلهث مع إيقاعها وصورها ومشاهدها . فأما الحقائق الموضوعية في السورة فقد تكرر ورودها في سور القرآن والمكية منها بوجه خاص ولكن الحقائق القرآنية تعرض من جوانب متعددة ، وفي أضواء متعددة ، وبطعوم ومذاقات متعددة ، وفق الحالات النفسية التي تواجهها ، ووفق مداخل القلوب وأحوال النفوس التي يعلمها منزل هذا القرآن على رسوله ، فتبدو في كل حالة جديدة ، لأنها تستجيش في النفس استجابات جديدة .
وفي هذه السورة جدة في مشاهد جهنم . وجدة في مواجهة المكذبين بهذه المشاهد . كما أن هناك جدة في أسلوب العرض والخطاب كله . ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة . حادة الملامح . لاذعة المذاق . لاهثة الإيقاع!
والآن نستعرض السورة في سياقها القرآني بالتفصيل :
{ والمرسلات عرفاً . فالعاصفات عصفاً . والناشرات نشراً . فالفارقات فرقاً . فالملقيات ذكراً : عذرا أو نذراً . . إنما توعدون لواقع } . .
القضية قضية القيامة التي كان يعسر على المشركين تصور وقوعها؛ والتي أكدها لهم القرآن الكريم بشتى المؤكدات في مواضع منه شتى . وكانت عنايته بتقرير هذه القضية في عقولهم ، وإقرار حقيقتها في قلوبهم مسألة ضرورة لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها ، ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعاً . فالاعتقاد باليوم الآخر هو حجر الأساس في العقيدة السماوية ، كما أنه حجر الأساس في تصور الحياة الإنسانية .
وإليه مرد كل شيء في هذه الحياة ، وتصحيح الموازين والقيم في كل شأن من شؤونها جميعاً . . ومن ثم اقتضت هذا الجهد الطويل الثابت لتقريرها في القلوب والعقول .
والله سبحانه يقسم في مطلع هذه السورة على أن هذا الوعد بالآخرة واقع . وصيغة القسم توحي ابتداء بأن ما يقسم الله به هو من مجاهيل الغيب ، وقواه المكنونة ، المؤثرة في هذا الكون وفي حياة البشر . وقد اختلف السلف في حقيقة مدلولها . فقال بعضهم : هي الرياح إطلاقاً . وقال بعضهم هي الملائكة إطلاقاً . وقال بعضهم : إن بعضها يعني الرياح وبعضها يعني الملائكة . . مما يدل على غموض هذه الألفاظ ومدلولاتها . وهذا الغموض هو أنسب شيء للقسم بها على الأمر الغيبي المكنون في علم الله . وأنه واقع كما أن هذه المدلولات المغيبة واقعة ومؤثرة في حياة البشر .
{ والمرسلات عرفاً } . . عن أبي هريرة أنها الملائكة . وروي مثل هذا عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات ، والسدي والربيع بن أنس ، وأبي صالح في رواية ( والمعنى حينئذ هو القسم بالملائكة المرسلة أَرسالاً متوالية ، كأنها عرف الفرس في إرسالها وتتابعها ) .
وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات . . إنها الملائكة .
وروي عن ابن مسعود . . المرسلات عرفاً . قال : الريح . ( والمعنى على هذا أنها المرسلة متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها ) وكذا قال في العاصفات عصفاً والناشرات نشراً . وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية .
وتوقف ابن جرير في المرسلات عرفاً هل هي الملائكة أو الرياح . وقطع بأن العاصفات هي الرياح . وكذلك الناشرات التي تنشر السحاب في آفاق السماء .
وعن ابن مسعود : { فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً ، عذراً أو نذراً } يعني الملائكة . وكذا قال : ابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري بلا خلاف . فإنها تنزل بأمر الله على الرسل ، تفرق بين الحق والباطل . وتلقي إلى الرسل وحياً فيه إعذار إلى الخلق وإنذار .
ونحن نلمح أن التهويل بالتجهيل ملحوظ في هذه الأمور المقسم بها كالشأن في الذاريات ذرواً . وفي النازعات غرقاً . . وأن هذا الخلاف في شأنها دليل على إبهامها . وأن هذا الإبهام عنصر أصيل فيها في موضعها هذا . وأن الإيحاء المجمل في التلويح بها هو أظهر شيء في هذا المقام . وأنها هي بذاتها تحدث هزة شعورية بإيحاء جرسها وتتابع إيقاعها ، والظلال المباشرة التي تلقيها . وهذه الانتفاضة والهزة اللتان تحدثهما في النفس هما أليق شيء بموضوع السورة واتجاهها . . وكل مقطع من مقاطع السورة بعد ذلك هو هزة ، كالذي يمسك بخناق أحد فيهزه هزاً ، وهو يستجوبه عن ذنب ، أو عن آية ظاهرة ينكرها ، ثم يطلقه على الوعيد والتهديد : { ويل يومئذ للمكذبين } . .
بعد ذلك تجيء الهزة العنيفة بمشاهد الكون المتقلبة في يوم الفصل الذي هو الموعد المضروب للرسل لعرض حصيلة الرسالة في البشرية جميعاً :
{ فإذا النجوم طمست ، وإذا السمآء فرجت ، وإذا الجبال نسفت ، وإذا الرسل أقّتت .
لأي يوم أجلت؟ ليوم الفصل . ومآ أدراك ما يوم الفصل؟ ويل يومئذ للمكذبين } . .
يوم تطمس النجوم فيذهب نورها ، وتفرج السماء أي تشق ، وتنسف الجبال فهي هباء . . وقد وردت مشاهد هذا الانقلاب الكوني في سور شتى من القرآن . وكلها توحي بانفراط عقد هذا الكون المنظور ، انفراطاً مصحوباً بقرقعة ودوي وانفجارات هائلة ، لا عهد للناس بها فيما يرونه من الأحداث الصغيرة التي يستهولونها ويروعون بها من أمثال الزلازل والبراكين والصواعق . . وما إليها . . فهذه أشبه شيء حين تقاس بأهوال يوم الفصل بلعب الأطفال التي يفرقعونها في الأعياد ، حين تقاس إلى القنابل الذرية والهيدروجينية! وليس هذا سوى مثل للتقريب . وإلا فالهول الذي ينشأ من تفجر هذا الكون وتناثره على هذا النحو أكبر من التصور البشري على الإطلاق!
وإلى جانب هذا الهول في مشاهد الكون ، تعرض السورة أمراً عظيماً آخر مؤجلاً إلى هذا اليوم . . فهو موعد الرسل لعرض حصيلة الدعوة . دعوة الله في الأرض طوال الأجيال . . فالرسل قد أقتت لهذا اليوم وضرب لها الموعد هناك ، لتقديم الحساب الختامي عن ذلك الأمر العظيم الذي يرجح السماوات والأرض والجبال . للفصل في جميع القضايا المعلقة في الحياة الأرضية ، والقضاء بحكم الله فيها ، وإعلان الكلمة الأخيرة التي تنتهي إليها الأجيال والقرون . .
وفي التعبير تهويل لهذا الأمر العظيم ، يوحي بضخامة حقيقته حتى لتتجاوز مدى الإدراك :
{ وإذا الرسل أقّتت . لأي يوم أجلت؟ ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل؟ } . .
وظاهر من أسلوب التعبير أنه يتحدث عن أمر هائل جليل . فإذا وصل هذا الإيقاع إلى الحس بروعته وهوله ، الذي يرجح هول النجوم المطموسة والسماء المشقوقة والجبال المنسوفة . ألقى بالإيقاع الرعيب ، والإنذار المخيف :
{ ويل يومئذ للمكذبين! } . .
وهذا الإنذار من العزيز الجبار ، في مواجهة الهول السائد في الكون ، والجلال الماثل في مجلس الفصل بمحضر الرسل . وهم يقدمون الحساب الأخير في الموعد المضروب لهم . . هذا الإنذار في هذا الأوان له طعمه وله وزنه وله وقعه المزلزل الرهيب . .
ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل ، إلى جولة في مصارع الغابرين : الأولين والآخرين . .
{ ألم نهلك الأولين؟ ثم نتبعهم الآخرين؟ كذلك نفعل بالمجرمين . ويل يومئذ للمكذبين! } .
هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود . وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود . وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء . وأمامها ينطلق الوعيد ناطقاً بسنة الله في الوجود : { كذلك نفعل بالمجرمين } ! فهي السنة الماضية التي لا تحيد . . وبينما المجرمون يتوقعون مصرعاً كمصارع الأولين والآخرين ، يجيء الدعاء بالهلاك ، ويجيء الوعيد بالثبور : { ويل يومئذ للمكذبين } . .
ومن الجولة في المصارع والأشلاء ، إلى جولة في الإنشاء والإحياء ، مع التقدير والتدبير ، للصغير وللكبير :
{ ألم نخلقكم من مآء مهين؟ فجعلناه في قرار مكين؟ إلى قدر معلوم؟ فقدرنا فنعم القادرون .
ويل يومئذ للمكذبين } . .
وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة ، يجملها هنا في لمسات معدودة . ماء مهين . يودع في قرار الرحم المكين . إلى قدر معلوم وأجل مرسوم . وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل : { فقدرنا فنعم القادرون } وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود : { ويل يومئذ للمكذبين } . .
ثم جولة في هذه الأرض ، وتقدير الله فيها لحياة البشر ، وإيداعها الخصائص الميسرة لهذه الحياة :
{ ألم نجعل الأرض كفاتاً؟ أحيآء وأمواتاً؟ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء فراتاً؟ ويل يومئذ للمكذبين } . .
ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتاً . { وجعلنا فيها رواسي شامخات } ثابتات سامقات ، تتجمع على قممها السحب ، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب . أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير ، وحكمة وتدبير؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون؟ : { ويل يومئذ للمكذبين! } . .
وعندئذ بعد عرض تلك المشاهد ، وامتلاء الحس بالتأثرات التي تسكبها في المشاعر ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء . فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين ، ليأخذوا طريقهم إلى العذاب الذي كانوا به يكذبون ، في تأنيب مرير وإيلام عسير :
{ انطقلوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب . لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل . ولكن إلى أين؟ إنه انطلاق خير منه الارتهان . . { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } . . فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود . { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } . . إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب . ولكنه ظل خير منه الوهج : { لا ظليل ولا يغني من اللهب } . . إنه ظل خانق حار لافح . وتسميته بالظل ليست إلا امتداداً للتهكم ، وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم!
انطلقوا . وإنكم لتعرفون إلى أين! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها . فلا حاجة إلى ذكر اسمها . . { إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جماله صفر } . . فالشرر يتتابع في حجم البيت من الحجر . ( وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر وليس من الضروري أن يكون في ضخامة ما نعهد الآن من قصور ) فإذا تتابع بدا كأنه جمال صفر ترتع هنا وهناك! هذا هو الشرر فكيف بالنار التي ينطلق منها الشرر؟!
وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول ، يجيء التعقيب المعهود : { ويل يومئذ للمكذبين! } .
ثم يأخذ في استكمال المشهد بعد عرض الهول المادي في صورة جهنم ، بعرض الهول النفسي الذي يفرض الصمت والكظم . .
{ هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون } . .
فالهول هنا يكمن في الصمت الرهيب ، والكبت الرعيب ، والخشوع المهيب ، الذي لا يتخلله كلام ولا اعتذار . فقد انقضى وقت الجدل ومضى وقت الاعتذار : { ويل يومئذ للمكذبين } ! . . وفي مشاهد أخرى يذكر حسرتهم وندامتهم وحلفهم ومعاذيرهم . . واليوم طويل يكون فيه هذا ويكون فيه ذاك على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ولكنه هنا يثبت هذه اللقطة الصامته الرهيبة ، لمناسبة في الموقف وظل في السياق .
{ هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار . وقد جمعناكم والأولين أجمعين . فإن كان لكم تدبير فدبروه ، وإن كان لكم قدرة على شيء فافعلوه! ولا تدبير ولا قدرة . إنما هو الصمت الكظيم ، على التأنيب الأليم . . { ويل يومئذ للمكذبين! } . .
فإذا انتهى مشهد التأنيب للمجرمين ، اتجه الخطاب بالتكريم للمتقين :
{ إن المتقين في ظلال وعيون ، وفواكه مما يشتهون . كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
إن المتقين في ظلال . . ظلال حقيقية في هذه المرة! لا ظل ذي ثلاث لا ظليل ولا يغني من اللهب! وفي عيون من ماء لا في دخان خانق يبعث الظمأ الحرور : { وفواكه مما يشتهون } . . وهم يتلقون فوق هذا النعيم الحسي التكريم العلوي على مرأى ومسمع من الجموع : { كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين } ويا لطف هذا التكريم من العلي العظيم { ويل يومئذ للمكذبين! } . . يقابل هذا النعيم والتكريم!
وهنا تعرض في خطفة سريعة رقعة الحياة الدنيا التي طويت في السياق . فإذا نحن في الأرض مرة أخرى . وإذا التبكيت والترذيل يوجهان للمجرمين!
{ كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
وهكذا تختلط الدنيا بالآخرة في فقرتين متواليتين ، وفي مشهدين معروضين كأنهما حاضران في أوان ، وإن كانت تفرق بينهما أزمان وأزمان . فبينما كان الخطاب موجهاً للمتقين في الآخرة ، إذا هو موجه للمجرمين في الدنيا . وكأنما ليقال لهم : اشهدوا الفارق بين الموقفين . . وكلوا وتمتعوا قليلاً في هذه الدار ، لتحرموا وتعذبوا طويلاً في تلك الدار . . { ويل يومئذ للمكذبين! } .
ثم يتحدث معجباً من أمر القوم وهم يدعون إلى الهدى فلا يستجيبون :
{ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون . ويل يومئذ للمكذبين! } . .
مع أنهم يبصرون هذا التبصير ، وينذرون هذا النذير . .
{ فبأي حديث بعده يؤمنون؟ } . .
والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهز الرواسي ، وبهذه الهزات التي تزلزل الجبال ، لا يؤمن بحديث بعده أبداً . إنما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس ، والويل المدخر لهذا الشقي المتعوس!
إن السورة بذاتها ، ببنائها التعبيري ، وإيقاعها الموسيقي ، ومشاهدها العنيفة ، ولذعها الحاد . . إنها بذاتها حملة لا يثبت لها قلب ، ولا يتماسك لها كيان .
فسبحان الذي نزل القرآن ، وأودعه هذا السلطان!