الخميس، 25 نوفمبر 2010

أدب إسلامي


محمد فؤاد الشعر من تدابير العقل
أحمل أسماء متعددة .. لا أجسر الهواة بين المهنة والكتابة
صدرت للشاعر محمد فؤاد الأعمال الشعرية الآتية: (طاغوت الكلام) دمشق1990 ‏
ـ المتروك جانباً ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1998ـ (قال بيدبا) بيروت. دمشق2004. ‏
ہ «أجمل ما عندي أخرجته/وتركته ينقط كغسيل مبلول.. من يراني الآن يعرف/ أنني لم أعد سوى نبتة صفراء برائحة باهتة/ في صحوة عابرة ركزت الكأس على حافة المائدة/ وتركت الكرسي يميل بي كما يشاء/ النادل من رمى القسوة لماعة في الصحن/ هكذا كنتُ أربي الألم أبيض في الكأس/ من أجل هذا أجر ورائي/ شاحنة ثقيلة من الأخطاء/» ـ محمد فؤاد ـ قال بيدبا ـ 
 لشاعر والطبيب الجراح محمد فؤاد المولود في تلك المدينة المنسية القامشلي والتي أمضى فيها طفولته البكر.. قبل أن يأتي إلى حلب.. ينتمي إلى جيل شعري.. كان الشعر بالنسبة له قضية وموقف وهاجس ورهان وَوَ.. فيما بعد انصرف عن الشعر.. وعن الكتابة عموماً.. وهجر القراءة. بقي محمد فؤاد مع قلة من مجايليه ينسجون من أوردتهم قصائد مخلصة للشعر وللحياة. ‏ 
محمد فؤاد مدهش ومبهر، وطيّب في زمن فقد طيبته، متواضع لدرجة الخجل ـ تواضع الكبار ـ محمد لديه الكثير شعرياً لو شاء له أن ينصف لتمكن من أن يكون (من الاسماء الهامة شعرياً في سورية وإن كان من وجهة نظري أنه كذلك ـ هنا نص الحوار. ‏ 
ہ ولدتُ في السينما.. بين مقعدين، على مسند مكسور/ أمي كنتّني بسبعة أسماء/ كي لا يعرفني الموت/. ‏ 
تقول هذا في مجموعتك الشعرية (قال بيدبا). ‏ 
أين محمد فؤاد (في زحمة سبعة أسماء)؟ ‏ 
ـ أنا فعلياً أحمل أسماء متعددة، هذا على المستوى الأول الواقعي، أكتب الشعر باسم، وأمارس الطب باسم، وأسافر وَ.. وَ..الخ. أمي أرضعتني من سبع نساء (قامشليات من كل الملل) ـ كنتُ منذوراً لذلك ـ مات لي أخوة قبلي ـ منذ ذلك اليوم المبكر وأنا شخصيات متناقضة ومتصالحة، كئيبة وسعيدة، أواجه العالم بشخصيات متعددة، وغالباً ما نتعامل مع عالمنا الخارجي بشخصية أو شخصيتين، إلا أن في داخلنا هناك شخص وحيد معزول.. وحزين. ‏ 
غالباً ما يكون مستنداً إلى الحائط... خائف من مواجهة العالم... أكتب دائماً انطلاقاً من هذا الكائن الوحيد المعزول والمقهور. ‏ 
ہ تقول أيضاً:ـ «هكذا كنتُ أربي الألم... أبيض في الكأس». ‏ 
كيف تنظر إلى الألم؟ هل كان وراءه كل هذا الحضور الشعر البهي؟ ‏ 
ـ أشعر بالتباس اتجاه الاجابة (على سؤال الألم). ‏ 
كنت أعتقد أن وظيفة الفن إن يمتص الألم. سأكون صريحاً: أنا رجل متألم وأستطيع أن أعدد مئات الأسباب لهذا الألم. لكن في الحقيقة قد لا يكون هناك مبرر لأي واحد منها ربما كأنني أجد في الألم تطهيراً لذنوب اقترفتها...، أو اقترفتني...، ويقترفها بشر آخرون. ‏ 
ولا أجد ما أدافع به عن نفسي سوى الألم. ‏ 
منذ زمن بعيد أو طويل، كنت أعتقد أن المستقبل يجب أن يحمل الأمل دائماً. ‏ 
أنا الآن وبعد أن تجاوزت الأربعين، أخشى القول أنني لم أجده بعد، ـ هذا الأمل ـ فلم يكن أمامي سوى التحايل عليه باللغة... أو أن يتحايلوا عليَّ فيأتيني على شكل ألم. ‏ 
ہ أنت شاعر وطبيب جراح. هل القصيدة بالنسبة لك (شرفة بوح) بعيداً عن أنين مرضاك. أم ماذا؟ ‏ 
ـ لو كان لي أن أختار مهنة (يتكسب) منها الشاعر لاخترت له أن يكون طبيباً. ‏ 
أنا في الكتابة أحاول أن أرى العالم الداخلي للكائن. ‏ 
وأنا في الجراحة أرى حقيقة لا مجازاً. أعايش الألم لا بوصفه تأملاً ذهنياً أو وجودياً وإنما بوصفه غصة في الحلق أو أنيناً في آخر الليل. أو ترقب فزع أمام غرفة العمليات. ‏ 
الكتابة لدي تحاول بشكل أو بآخر أن تترصد هذا التوجس الذي يحوم كطائر على رؤوس البشر. ‏ 
أخاف حين أكتب أن لا أستطيع التقاط ما أحس به حين أكون طبيباً. الطب مهنة مؤلمة لكنها تليق بالشعر. ‏ 
ہ لكن ثمة من يرى عكس ما تراه؟ ‏ 
ـ ربما يحدث أحياناً أن تبتذل المهن كما تُبتذل المشاعر الصدق وحده يمكن أن يعيد الأمور إلى نصابها . ‏ 
ـ اكتب القصيدة رغم معرفتي ان الشعر مادة هشة لا تمتلك حولاً لها ولا قوة. ‏ 
لكن الكتابة، ولا سيما الشعر، هي تدابير للألم وترتيبه ووضعه كوسادة تحت الرأس. ‏ 
حينما لا نستطيع رميه كحجر في وجه من يؤلمنا. ‏ 
ربما لا يصلح الشعراء لملئ الزجاجات الفارغة، ولا لمنح سعادة ما، لشخص ما، لكنما الكتابة لصاحبها هي اغماضة العيون وتخيل الذات في عوالم من بخار الورد وعليه قليلاً من السكر. ‏ 
\ہ محمد فؤاد طبيب جراح وشاعر. هل حدث ان عالجت بعضاً من مرضاك بقصيدة شعر؟ ‏ 
(ضاحكاً) أحمد أعرف الى حدما..، إلى أين تريد ان تصل بسؤالك. ‏ 
هذا. ياصاحبي لايصلح الشعراء ما يفسده الدهر. ‏ 
الطبيب ربما يكون محظوظاً بأجرٍ من دعاء متألم، لكنما الشعراء صفر الوجوه، لا يصدقهم أحد ولا يدفعهم إلا أمثالهم من الغاوين، لكي تعالج بقصيدة خذعني هذه الوصفة، انقعها بماء ساخن ورش عليها قليلاً من الملح ثم أرميها.. حتى النساء اللواتي كن يدسسن القصائد في الكتب.. صرن الآن أكثر استعجالاً..، وأقل حماسة... أقل...، أقل. ‏ 
ہ عناوين مدهشة...، لافتة جداً، تستدرج القارئ الى «كمينك» الشعري. ‏ 
أين أنت وسط هذه العناوين؟ ‏ 
سألة العناوين في القصائد كانت تربكني دائماً، فحيناً أعتقد أن العنوان هو مفتاح القصيدة، حيناً آخر اختار عنواناً أتقصد أن يكون بعيداً عن مناخات القصيدة. في الثالثة أضجر من فكرة العنوان فأضعها كيفما اتفق. لكنني الآن في هذه المرحلة على الأقل أعتقد أنني أصبحت أتأمل أكثر في مادة العنوان لا لجذب القارئ وإنما ليصبح العنوان في وحدة تامة مع القصيدة التي ربما لها ان تكون بلا عنوان. ‏ 
انهيت منذ فترة وجيزة مسودة مجموعة شعرية جديدة كانت القصائد تبدأ فيها من العنوان. أي أنني كنت أكتب العنوان ثم أكمل القصيدة، ربما لأنني بهذه المجموعة كانت الفكرة بأكملها تبدأ من عنوانها وهي: ‏ 
«أجزاء الحيوان» سترى أنني بعد هذا العنوان سأكتب عن الكائن بوصفه أعضاء منفصلة ولذلك جاءت العناوين على شاكلة «الطحال...، البنكرياس، اللسان، الأم الجافية، الشغاف، الكبد.. وهكذا». ‏ 
ہ كيف تنظر الى هؤلاء الذين يحاولون إقصاء قصيدة النثر من قبيلة الشعر؟ ‏ 
سأعتذر أن أقول أن هذا السؤال أصبح من الماضي للأسباب التالية أولاً لقد خف فعلاً السجال حول شرعية قصيدة النثر. إما لأنها أصبحت واقعاً بحكم الزمن أو لانفضاض الناس عن الشعر بكامله «نثره وعموده»، الأمر الآخر الذي يجعل السؤال في الماضي هو أمر احصائي فقصيدة النثر حالياً هي الأكثر وجوداً على مستوى الشعر حتى في الدول التي كانت ثقافتها معقلاً لقصائد العامود فأنت لو تأملت أي صحيفة أو مجلة تعنى بالشعر وبالكتابة الإبداعية لوجدت قصيدة النثر هي الأكثر حضوراً. فيما فعلياً تراجعت قصيدة العمود، التي لم نعد نجدها، إلا في الكتب المدرسية. الأمر الثالث هو أمر يتعلق بسؤال الشعر بحد ذاته. ‏ 
فالسجال الذي كان منذ عقدين أو ثلاثة حول شرعية قصيدة النثر كان في الحقيقة سؤالاً موارباً حول شرعية الأنماط الجديدة ليس في الكتابة وحدها وإنما في التفكير أيضاًَ. ‏ 
ہ محمد فؤاد الذي كتب القصيدة الشفوية واليومية في: «طاغوت الكلام»، هو نفسه في: «وقال بيدبا» ولكن بحساسية جديدة. هذا يقودني لأن أسأل ما هو شكل قصيدة اليوم؟ ‏ 
سأعترف لقد «غرر بنا» في وقت ما، توهمنا ان مجرد الكتابة عن اليومي والعادي هو بالضرورة شعر، طبعاً كان ذلك رداً على القصيدة المتعالية التي كانت تغرف أو نغرف من الأسطورة واللغة والصور الجوفاء وبذلك اعتقدنا ان مجرد الكتابة عكس ذلك كان يعني كتابة الشعر. أنا أعتقد ان مادة الشعر هي في الغوص بعيداً في معرفة الأشياء سواء أكانت يومية أم دهرية. الشعر كما يقول: «يوري لوتمان»: «هو معرفة ولكن من نوع آخر» في مجموعتي: «قال بيدبا» في القصائد التي تحمل هذه العناوين: «سحلية، سمكة، دجاجة، إلخ» كنت أفكر بهذا البعد الأكثر عمقاً في النفس كنت أفكر فعلاً في وجود الكائن ومواجهته المستمرة للعالم. ‏ 
صحيح ان الذريعة كانت كائنات يومية لكن الغاية كانت ماوراء ذلك في تلك المساحة من الظل التي تصبح فيها الكائنات مادة هلامية وتصبح الأفكار بأشكال آدمية. ‏ 
الشعر كما يقول «مالا رميه»: هو الفلسفة، أي ذلك البحث المحموم عن المعرفة، هو صنو الموسيقا البحت. كلاهما بأدوات مواربة يصنعون هذا البعد الرابع للبشر. ولذلك لا تبحث عن المعنى فقط حين تقرأ القصيدة...، أغمض عينيك وانظر ماذا تبقى ستسمع في القصيدة العظيمة صوت موسيقا يأتي من مكان بعيد حميم ودافىء. ‏ 
ہ بدأت تركز على أنسنة الأشياء واستنطاقها رغم ان براءة هذا ـ إذا اعتبرناه اختراعاً ـ لا يحسب لك، هل هو دليل على خواء وفراغ في اللغة اليومية؟ ‏ 
في الحقيقة أنا لا أحب أن أؤنسن الأشياء. وان لاحظت ذلك فهذا فشل مني. أنا أحب كما يقول «غليفليك»: أن أكتب الاشياء كما هي، لا بوصفها إسقاطات علينا نحن البشر إن الأشياء تستحق ان تعيش بذاتها بعلاماتها فيما بينها. لا أن تكون مجرد صدى لنا نحن البشر. ‏ 
تى في سؤالك عن اليومي واللغة اليومية ومفرداتها. أنا أظن ان هذه اللغة اليومية هذه الكائنات اليومية، من صنع ذاتها، ربما مازلت أشعر بالتفوق ككائن بشري يرغب أن يسخر الأشياء لصالحه، لكنني أعتذر عن هذا الفعل..، عن تسلطنا نحن البشر تجاه ما حولنا. ‏ 
طبيب جراح ، أنت، استطعت أن توظف مهنتك في إبداعك بمعنى أنك جسرت الهوة بين السلوكي والإبداعي. كيف تم ذلك؟ وهل أخذت بوصفات أحد؟ ‏ 
ـ لم أكن أول طبيب جراح يكتب، ولست آخرهم. أنا كجراح لا أتخيل العالم الداخلي للإنسان، وإنما أراه رؤيا العين...، أشمه وألمسه..، وأضع يدي عليه..، وأعبث به. لكنني لا أملك أمامه سوى الخشية من أن أؤذيه. ‏ 
أنا لا أجسر الهوة بين المهنة والكتابة، لا هوة في الأصل. أنا فقط استعير مفردات هذا الكائن وأنقلها على الورق. لم تكن المهنة يوماً ما لي ميزة أو عائقاً. لم أفكر في ذلك اطلاقاً، لكني اعتقد ان الأصل هو في ا لقدرة على التعبير. هذه القدرة التي تخوننا دائماً ونتملق إليها باستمرار. اسمح لي ان استغرب من سؤالك هذا الذي يربط بين الفن والمهنة. هل كان السؤال ليكون أقل استغراباً لو أنني دليل سياحي أو موظف في مؤسسة حصر التبغ والتنباك؟ ‏ 
ہ الآن تكسر مدارس الشعر، وغالباً لا أحد يتقبل أحد، فالكلاسيكي لايقبل الحداثي، واليومي يرفض قصيدة الرؤيا.. وبالعكس. ‏ 
وهذا قد يؤدي الى ضياع البصمة الشخصية، للمحاباة أو لاستمرار الرضى. ماذا تفعل لكي تكون شاعراً متميزاً ومقبولاً؟ ‏ 
ـ لكي أكون شاعراً مقبولاً. يضمر هذا التعبير جملة تقول مقبولاً عند الناس أو عند الأقران أو عند النقاد. وهذا بدوره يضمر تصوراً حول وظيفة الشعر، فلو طلب مني أن أكون شاعراً لترويج عقيدة ما. أو حزباً ما.. ربما كان علي أن آخذ بالأسباب التي تجعل شعري يجذب الآخر لهذه العقيدة لكني في الحقيقة أنا لا أؤمن بوظيفة للشعر. وان شعراء كباراً لهم جمهورهم الذي تكون عبر سنوات طويلة يتملقون للجمهور بقصيدة راجت سابقاً لهم كل هذا ليمرروا قصيدة أخرى كتبوها. الآن بحساسية الآن وشعور الآن. لكنهم يعرفون ان الجمهور لن يتقبلها. ‏ 
إذاً لِمَ علي أن أبحث عن أكون مقبولاً ومتميزاً. وأنا في أحسن الأحوال لن أقدم أو أؤخر.. أنا «يا أحمد» صدقني أكتب ولا أعرف ان كنت سأقرأما أكتبه يوما ما. أحب أن يكون لي جمهور وأحب أن تقرأ أشعاري. لكن لا يعني اني إذا رغبت بأمر ما سأحصل عليه. ‏ 
ہ إذاً، أين جمهور الشعر؟ ‏ 
لا تصدق أن للشعر جمهوراً بالمعنى العريض لهذه الكلمة. للشعر مستمعون قلة. وأنا أظن أن هذا يكفيه. ‏ 
ہ الشعر هو الجنون في القلب والعشق كمعراج الطير الى الله وجنون وجنون القلب، على ما نرى، أعجب من جنون العقل» ـ «...»؟ ‏ 
هل للشعر جنون؟ ‏ 
ـ أنا أكتب من مكان مختلف في الحقيقة، أقارب الشعر من موضع العقل، أعرف أن هذا ليس مرغوباً، فالشعر قد يعني العاطفة أو المتعة أو القلب كما يقول «شمس الدين» لكنني أظن أن الشعر هو بشكل أو بآخر من تدابير العقل. لاتصدق ما يقال عن إلهام أو رؤيا أو حتى كتابة آلية. كل هذا فعلاً في النهاية يصدر عن العقل إذاً لِمَ علي أن أراوغ؟؟ ‏ 
أنا أبدأ الكتابة من العقل وفي أقصى حالات الصحو. لا أحب الكتابة بأي شكل من الأشكال التي تستهين بإمكانات العقل، لا يعني انني لا أحب.. أو لا تدمع عيني لصورة شعرية مدهشة. ‏ 
لكني أعرف أن عيني دمعت وأنني ارتجفت من النشوة، لأن ما كتبت كان نابعاً من تأمل عميق..، الذي هو الصورة الغامضة للعقل. أنا أحب أن آتي الشعر من المعرفة لا من العاطفة. ‏
 تشرين -حاوره: أحمد عساف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق