مراجعة مقياس (دراسات بيانية للقرآن الكريم) السداسي الثاني
تمهيد : "التصوير الفني التعبير بالصورة المحسَّة المتخيّلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية والحادث المحسوس والمشهد المنظور والنموذج الإنساني , ثمّ يرتقي بالصورة فيمنحها الحياة الشاخصة والحركة المتجددة" والتصوير الفني هو القاعدة الأساسية المقرّرة في التعبير القرآني ويتفرّع عنها روافد أو ركائز أو وسائل وسبل يتحقّق بها وهي : 1. التجسيم 2.التشخيص 3. التناسق الفني ... هذه الركائز هي موضوع السداسي الثاني... أوّلا : التجسيم مفهومه :مادة (ج س م) في اللغة ترتبط بظاهر محسوس بأبعاده الثلاثية وفي اللسان جماعة البدن أو الأعضاء من الناس أو الإبل العظيمة الخلق. وفي الاصطلاح (خلع الصفات الحسّية المادية على الأمور المعنوية) لأنّ المعاني الدينية غالبا ما تصاغ في قوالب ذهنية يصعب إدراكها عَمَدَ القرآنُ الكريم إلى تصويرها وإبرازها في شكل حسّي فأصبحت المجردات مجسّمة مصوّرة في تشابيه محسوسة هي في حقيقة الأمر رموز معبّرة عنها بين التصوير والتجسيم : التجسيم جزء من التصوير لأنّه تشبيه للمعقول بالمحسوس بينما التصوير تشبيه للمعقول بالمحسوس وللمحسوس بالمحسوس كذلك... مصطلح التجسيم في التراث البلاغي القديم: المصطلحات المستعملة قديما هي الاستعارة والتشبيه وغاب التجسيم لاعتبارات عقدية 1. مفهوم الرمّاني (386هـ): قال عند تعرضه لقوله تعالى {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ }إبراهيم18 :"بيان أخرج ما لا تقع عليه الحاسة غلى ما تقع عليه" اهـ أدرك رحمه الله بحسّه الفني الأدبي أنّ جاذبية هذه الصورة قائمة على على تشبيه تمثيلي لمعقول بمحسوس.. 2. مفهوم الباقلاني (403هـ): من خلال وقفته مع قوله تعالى (افرغ علينا صيراً) و(منقلبون) "وما يصور لك الكلام الواقع في الصورة تصوير تصوير ما في النفس وتشكيل ما في القلب حتّى تعلمه كأنّك مشاهده وما كان يقع بالإشارة ويحصل بالدلالة والأمارة." ركّز الباقلاني على هاتين المفردتين لأنهما مولدتان للتجسيم الفني , وقوله (كأنك مشاهده) دليل على المشاهدة البصرية وهي اثر من الآثار البيانية والبلاغية لهذه المفردات 3. مفهوم أبي هلال العسكري(382هـ) من خلال قوله تعالى {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }السجدة21 :"حقيقت ه لنعذبنّهم والاستعارة أبلغ لأنّ حسّ الذائق أقوى لإدراكه ما يذوقه , وللذوق فضل على غيره من الحواس الا ترى أنّ الإنسان إذا رأى شيئا لم يعرفه شمّه فإن عرفه وإلاّ فذاقه لما يعلم أنّ للذوق فضلاً في تبيين الأشياء" فحاسة الذوق ها هنا خرجت عن معهود الحواس الدنيا إلى فضاء دلالي غير مألوف خاصة وأنّ المادة المذاقة هي العذاب وهذا منتهى الإعجاز... 4. مفهوم الزمخشري( هـ) :"أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يسمى النّاس منها فيقولون ذاق فلان البأس والضرّ وأذاقه العذاب واما إذاقة العذاب على لباس الجوع والخوف عبارة عمّا يغشى منهما ويلابس وكأنه قيل فأذاقهم على ما غشيهم لباس الجوع والخوف" تمثل هذه الصورة من الاستعارة موقعا بارزا في جماليات الحواس الدنيا إذ الذوق في هذا المقام أبلغ من اللّمس أو الشمّ ولعلّ الحكمة البيانية من هذا الإجراء الفني والأسلوبي هو تمكين معنى الإذاقة شاملا الذي حلّ بالقرية التي خرجت على شرع ربّها وكفرت بأنعمه. 4.مفهوم ابن الأثير(637ه) عند تعرّضه لقوله تعالى {في كلّ وادٍ يهيمون} :"فاستعار الأودية للفنون والأغراض الشعرية التي يقصدونها [ولِمَ] خصّ الأودية بالاستعارة ولم يستع الطرق والمسلك أو ما جرى مجراهما [؟] لأنّ معاني الشعر تستخرج بالفكرة والروية والفكرة والروية فيهما غموض فكانت استعارة الأودية لها أشبه وأليق ." تقويم عام لمفهوم التجسيم عند بعض القدماء : الإحجام وعدم التوسع في إطلاق هذا الاصطلاح لأسباب عقدية
مفهوم التجسيم الفني عند بعض المعاصرين
1.د.أحمد أحمد بدوي (من بلاغة القرآن) حسيّة التصوير كامنة في اختيار المفردات الحيّة في الاستعارة :"ولهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير نراه يعبّر عن المعقول بألفاظ تدلّ على محسوسات ممّا أفرد له البيانيون علماً خاصاً به دَعَوْهُ علم البيان وذلك أنّ تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكّنا في النفس وتأثيراً فيها."
2.سيد قطب : "وظاهرة أخرى تتّضح في تصوير القرآن وهي التجسيم ؛ تجسيم المعنويات المجرّدة وإبرازها أجساماً أو محسوسات على العموم , إنّه ليصل في هذا إلى مدى بعيد يعبّر به في مواضع حسّاسة جدّ الحساسية يحرص الدين الإسلامي على تجريدها كامل التجريد كالذات الإلهية وصفاتها." (له الفضل في إبراز هذه الخاصية البيانية دون السبق)
جماليات التجسيم : 1.التجسيم السكوني الثابت "يقصد به اشتمال الصورة على حركة خفية حتى يتشغّل المتلقي بالثابت دون الحركة وبالتجلي دون تعدد المكان وهذا لا يقلّل من الجمالية بل إنّ الموقف هو الذي يتطلّب حجم هذه الحركة الخفية " (الصدع) "...ونرى هذا التجسيم سكونيا لأننا لا ننشغل بالحركة السابقة بل ننشغل بشكل التصديع وهو النتيجة المرجوة , فكأن كلمات الخالق عزّ وجلّ تشق القلوب..."
2. التجسيم المحرّك : يتمثل في تحريك المرئيات ومنه قوله تعالى:{ضربت عليهم الذلة} قال الشريف الرضى:"هذه استعارة والمراد بها صفة لشمول الذّلّة وإحاطة المسكنة بهم كالخباء المضروب على أهله."
3. الإيغال في الحسية : "ويعني أنّ الصورة لا تشتمل على تجسيم ولكن اختيرت كلمة حسّية شديدة الحسّية لتعبر عن طرفٍ حسيّ آخر ولكن هذه الحسّية الزائدة بمنزلة الانتقال من الذهني إلى المحسوس وذلك مثل الجمع بين الميثاق والغلظة...فالصفة الثانية زيادة في الحضور الحسي حتى لنتصور الميثاق كائناً ذا أبعاد ثلاثية ...وذلك للمبالغة في الرضوخ له."
الخلاصة: إنّ التجسيم في النصّ القرآني لا يقتصر على الحاسّة الباصرة بل يتعداه للبصيرة (؟؟؟)
ثانيا : التشخيص
مقدمة : ... تتجلى قدرة الصورة التشخيصية في أنّها تنطوي على مرحلتين من التواصل مع المتلقي فهناك إبراز المجرد في شكل محسوس وهو التجسيم ثمّ إصباغ الصفات الآدمية على هذا المجرد وهو التشخيص
مفهوم التشخيص : لغة كلّ جسم له ارتفاع وظهور وفعل شَخَصَ معناه فتح الأجفان وارتفاع العينين
اصطلاحا : "إبراز الجماد أو المجرّد من الحياة من خلال الصورة بشكل كائن متميّز بالشعور والحركة والحياة" يقول سيد قطب في تعريفه : "خلع الحياة على المواد الجامدة والظواهر الطبيعية والانفعلات الوجدانية , هذه الحياة قد ترتقي فتصبح حياة إنسانية تشمل المواد والظواهر والانفعلات وتهبُ لهذه الأشياء كلّها عواطف آدمية وخلجات إنسانية تشارك بها الآدميين."
مصطلح التشخيص الفني في الدراسات البلاغية القديمة:مصطلح التشخيص لم يرد في الكتب القديمة لذات الاعتبارات والأسباب التي تقدم ذكرها في التجسيم , ولكن هذا لا يعني غياب مفهوم المصطلح في التراث القديم ...فقد وقف علماء البلاغة عند الاستعارة المشخصة وأدركوا جمالياتها من غير تسميتها تشخيصاً
1.مفهوم أبي معمر بن المثنى (210هـ) : "ومن المجاز ما جاء في لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس"اهـ واستشهد بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }فصلت20
2. مفهوم الإمام الرّمّاني(386ه) ينطلق من المفاضلة في تذوّق المفردات القرآنية في الاستعمال القرآني فقد استوقفته مفردة (طغا) من قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ }الحاقة11 فالطغيان صفة بشرية تتعلق بمجاوزة الحدّ في الجبروت والاستعلاء بيد أنّ توظيفها في طغيان الماء أكثر دلالة وعمقا وتعميقا لمفهوم التشخيص وفائدتها في هذا المقام تبيان الهيمنة الإلهية على الموجودات [النكت في إعجاز القرآن]
3.مفهوم الشريف الرضي: يقول معلقا على قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }الأنبياء18 "الدمغ إنّما يكون على وقوع الأشياء الثقال وعن طريق الغلبة والاستعلاء فكأن الحقّ أصاب دماغ الباطل فأهلكه." [تلخيص البيان في مجازات القرآن]
مصطلح التشخيص الفني في بعض الدراسات الحديثة:
1. سيد قطب: يعلق على قوله تعالى: َلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ{15} الْجَوَارِ الْكُنَّسِ{16} وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ{17} وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ{18} إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ{19}التكوير "هذا هو الصبح يتنفس فيخيل إليك هذه الحياو الوديعة الهادئة التي تنفرج عنها ثناياه وهو يتنفس معه الحياة ويدبّ النشاط في الأحياء على وجه الأرض والسماء" وفي قوله تعالى: {.... وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }الحج5 "وهذه هي الأرض هامدة مرّة وخاشعة مرة ينزل عليها الماء فتهتز وتحيا"
2. مفهوم التشخيص عند أحمد بدوي: "وقد يجسِّم القرآن المعنى ويهب للجماد العقلَ والحياةَ زيادة في تصوير المعنى وتمثيله بالنفس وذلك بعضُ ما يعبّر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية" ويستشهد بمثل قوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }الأعراف154 فاللفظ المولد لهذه الصورة الفنية هو كلمة (سكت) التي تعبر عن الحالة الوجدانية لموسى عليه السلام...ذلك أنّ صفة السكوت إنسانية لها تعلق بالكائن البشري غير أنّ تجسيم الحالة الشعورية وتشخيصها استوجب إظفاء هذا الشعور الإنساني على غير العاقل.
3. مفهوم صبحي الصالح يقول معلقا على قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }يونس24 "أمّا الأرض فشخِّصت مرتين وقاما بحركتين إذ أخذت بنفسها زخرفها كما تفعل العروس في يوم جِلْوَتِها وتطلّبت الزينة تطلبا وسعت إليها سعياً فلم تُزيّن ولكنها ازيّنت."
الفرق بين التصزير التجسيم والتشخيص: التصوير هو الركيزة الأساسية والرافد الأصلي الذي تصب عنده كلّ سمات التعبير القرآني من تجسيم وتشخيص وتناسق وتخييل . أما التجسيم فهو تصزير المعاني المجردة بالمحسوسات فإن أظفي عليها صفات الآدمية صارت تشخيصاً (لصبحي الصالح الفضل في بيان هذا الفرق)
ثالثا: التناسق الفني . لا تقف خصائص التعبير القرآني عند التجسيم والتشخيص بل تتجاوزهما إلى ذروة البيان مع التناسق الفني الذي يمثل بحقّ منتهى جماليات العبارة القرآنية ...وقد تحدّث القدماء كثيرا عن التناسق والتناسب في القرآن الكريم ولكن يبقى لسيد قطب رحمه الله الفضل في جمع شتات ما قيل فيه وربطه بالتصوير الفني
مفهوم التناسق الفني: من المفارقات العجيبة أنّ سيد قطب رغم احتفاله واهتمامه بالتناسق الفني لم يورد له تعريفا منضبطا ولا مفهوما محدّدا . والتناسق هو "اتّساق البنية اللفظية والمعنوية للنّص القرآني وانسجامها وتلاحمها انطلاقا من اتّساق الألفاظ والجمل والتراكيب والصوّر والظلال والإيقاع والموسيقى والسياق الدلالي" وعرّفه الباحث عبد القادر حامد بقوله:"أصحاب المذهب الموضوعي يرون أنّ منشأ الجمال هو الاتّساق والانسجام في الألوان والأشكال والأساليب والنغمات سواء أكان ذلك الانسجام طبيعيا أم صناعيا وأساس الانسجام هو الوحدة مع التعدد أي اجتماع عناصر مختلفة وائتلافها بحيث تكون وَحدةً مترابطة الأجزاء متناسقة العناصر."
آفاق التناسق الفني: 1. التنسيق في العبارات بتخيّر الألفاظ ثم نظمها في نسق خاص يبلغ أرقى مراتب الفصاحة 2.الإيقاع الموسيقي الناشئ من تخيّر الألفاظ ونظمها في نسق خاص 3.النكت البلاغية التي تنبّه لها الكثيرون من التعقيبات المتفقة مع السياق 4.التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات والتناسب في الانتقال من غرض لآخر 5.التناسق النفسي بين الخطوات المتدرّجة في بعض النصوص والخطوات النفسية التي تصاحبها
اقتراحات سيد قطب في دراسة مظاهر التناسق الفني: 1.اتّساق النظم القرآني مع تجسيم الحالة المقصودة من التصوير يقول رحمه الله:"هناك مواضع التي يتناسق فيه التعبير مع الحالة المراد تصويرها فيساعد على إكمال معالم الصورة الحسية أو المعنوية وهذه خطوة مشتركة بين التعبير للتعبير والتعبير للتصوير فهي مفرق الطريق بين السطوح المستوية والقمم المتدرّجة" واستشهد بقوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }البقرة223 فكلمة (حرث) متناسقة مع الحالة المصوّرة إذ شبَّهَ القرآن الكريم النساءَ بالحرثِ وفي هذه الكلمة من الظلال الدلالية والمعاني السامية الكثير فقد تناسقت صورة الحرث مع طبيعة العلاقة الزوجية المقدّسة والرباط الروحي الجليل. 2.استقلال لفظ واحد برسم صورة شاخصة: وقد خلص سيد إلى أنّ هذا الاستقلال له ثلاث مستويات "خطوة يزيد من قيمتها أنّ لفظاًمفرداً الذي يرسم الصورة تارةً بِجِرسِه الذي يُلقه في الأذن وتارة بظلّه الذي يلقيه في الخيال وتارة بالجرس والظلّ جميعاً" 3.التناسق في رسم الصورة حيث يبدو المشهد لوحة بديعة في تناسق أجزائها وتناغم أشكالها "...إنّ هذه المشاهد وتلك الصور يتوافر لها أدقّ مظاهر التناسق في ماء الصورة وجوّ المشهد وتقسيم الأجزاء وتوزيعها في الرقعة المعروضة" ويمكن تقسيم الوان التناسق في الصورة إلى: أ. وحدة الرسم : التكامل هو السمة الغالبة [على أجزائه] ب.توزيع أجزاء الصورة: المقادير المكونة للصورة متناسبة كمّا وكيفاً ج.اللون الذي ترسم به: حدوث انسجام بين الألوان المردفة التي تناسب الموضوع ويتجلى هذا التناسب في التدرّج في الظلال بما يحقٌق الجوّ العام المتّسق مع الفكرة والموضوع ومن شواهده قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }الحج5 وقوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{37} فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ{38} وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{39}فصلت . إنّ التعبير القرآني رسم صورتين للأرض هامدة وخاشعة وعند التأمل في السياقين يتبين لنا وجه التناسق إنّ الجوّ في السياق الأوّل جوّ بعث وإحياء وإخراج وإنّ الجوّ في السياق الثاني جوّ عبادة وخشوع وسجود لأنّ كل ما في المشهد يتحرك حركة العبادة لم يكن من المناسب أن تبقى الأرض هامدة وحدها فاهتزّت خاشعة لتشارك غيرها هذه العبادة... 4.التناسق في رسم إطار الصورة : لا يكتفي التعبير القرآني برسم الصورة في مستوياتها الثلاثة (وحدة الصورة , الأجزاء, الجوّ العام) وإنّمت يحيطها بإطار محدّدٍ الغرض منه الإحاطة الشاملة بنطاق الصورة 5.التناسق في مدّة العرض: يحرص النظم القرآني على مراعاة المدّة الزمنية لهذه الصور فبعضها يستغرق طويلا استجابة لبعض الأغراض كالتعبير عن المعاناة الإنسانية وبعضها يمرّ سريعاً كلمح البصر ويكاد الخيال لا يلحق ولا يدرك بعض الصور لشدّة سرعتها وبعضها شاخص لا يكاد يتحرك أصلاً
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق